ابن الجوزي
572
كتاب ذم الهوى
ثم عمد إلى خناق فطرحه في عنقه ، فناشدته اللّه ألا يفعل فأبى وجعل يخنق نفسه حتى سقط ميتا . فكفنتهما ودفنتهما في قبر واحد كما أمرني ، وكتبت البيتين على قبرهما ورددت الغنم على صاحبها وأعلمته بقصتهما ، فحزن حزنا شديدا أشفقت منه على نفسه ، أسفا على ما فرط في اجتماعهما . أنبأنا محمد بن أبي منصور ، قال : أنبأنا المبارك بن عبد الجبار ، قال : أنبأنا أبو بكر الخطيب ، قال : حدثنا القاضي أبو القاسم هبة اللّه بن الحسين الرّحبي ، قال : حدثنا علي بن أحمد بن محمد الحرمي ، قال : حدثنا الحسين بن علي بن أحمد المهلبي ، قال : حدثني أبو عبد اللّه القرشي ، قال : رأيت رجلا يعاتب إلفا له على الجسر ، وكنت قريبا منهما بحيث أسمع ما كانا فيه جميعا . فقال له : ألم أفعل بك كذا ؟ ألم أصنع بك كذا ؟ فلم يزل يعدّد عليه ما أولاه إياه . فقال له المألوف : هذا الذي فعلت في هواك أو في هواي ؟ وخرج الكلام بينهما إلى أن قال له : قد أضجرتني فما تحب أن أفعل بنفسي حتى تشتفي ؟ قال : تطرح نفسك في هذا الماء إن كنت صادقا في دعواك . قال : فعهدي به وعلى رأسه رداء ، وقد لفّ رأسه بردائه وزجّ نفسه في دجلة ، فداخلني من الأمر ما غلب علي ، حتى صعقت صعقة غشي عليّ منها ، ولم أدر ما كان بعد ذلك . وبلغنا عن سعيد بن أحمد ، قال : رأيت بالبصرة في خان عطاء بن مسلم شابّا وفي يده مدية وهو ينادي بأعلى صوته والناس حوله . يوم الفراق من القيامة أطول * والموت من ألم التفرّق أجمل قالوا الرحيل فقلت لست براحل * لكنّ مهجتي التي تترحّل ثم بقر بطنه بالمدية وخر ميتا فسألت عنه وعن أمره ، فقيل لي : إنه كان يهوى فتى لبعض الملوك وحجب عنه يوما واحدا ! .